English 中文
← العودة

المحكمة العليا اليمنية: واجب غاية حسن النية وعدم الإفصاح الجوهري في التأمين البحري على البضائع (2024)

2026-08-18 · اليمن · التأمين والقانون البحري · الطعن رقم 187/2024

قانون التأمينغاية حسن النيةالبضائع البحريةاليمن

الملخص

أصدرت المحكمة العليا للجمهورية اليمنية، وهي أعلى محكمة استئناف في البلاد في المسائل المدنية والتجارية، حكماً تاريخياً في شأن واجب المؤمَّن له في الإفصاح في التأمين البحري على البضائع. وتعلق النزاع ببيت تجاري مقره صنعاء أمّن على شحنة من المنسوجات والإلكترونيات شُحنت من دبي إلى ميناء عدن، وبمؤمِّن رفض دفع مطالبة بالخسارة الكلية على أساس أن المؤمَّن له أخفق في الإفصاح عن خسارتي بضائع سابقتين وعن الوجهة عالية الخطورة للرحلة وقت إبرام الوثيقة. وقضت المحكمة بأنه (أولاً) التأمين، والتأمين البحري على البضائع بوجه خاص، عقد من عقود الغاية القصوى في حسن النية، بحيث يقع على المؤمَّن له واجب إيجابي في الإفصاح عن كل واقعة جوهرية في تقدير المؤمِّن للخطر، سواء سأل المؤمِّن أم لم يسأل؛ و(ثانياً) إن عدم الإفصاح الجوهري — حتى لو كان بريئاً كل البراءة — يخوّل المؤمِّن نقض الوثيقة والدفع في مواجهة المطالبة؛ و(ثالثاً) إن معيار الجوهرية معيار موضوعي، وهو ما إذا كان المؤمِّن الحريص سيعامل الواقعة غير المصرَّح بها باعتبارها مؤثرة في قراره بقبول الخطر أو في القسط الذي يطلبه، وأن عبء إثبات الجوهرية يقع على المؤمِّن؛ و(رابعاً) يسقط الحق في النقض حيث يقوم المؤمِّن، مع علمه بعدم الإفصاح، بتأكيد الوثيقة أو بقبول قسط إضافي. ويُعد هذا القرار المرجع اليمني الرائد في نظرية «الغاية القصوى في حسن النية»، ويجعل قانون التأمين اليمني متسقاً مع التقليد التأميني البحري المتجسد في قانون التأمين البحري الإنجليزي لعام 1906 ومع مدونات القانون المدني في العالم العربي الأوسع.

الوقائع

يقوم الإطار القانوني اليمني للتأمين على القانون التجاري وقانون التأمين، اللذين يحكمان عقود التأمين وإعادة التأمين المبرمة في الجمهورية، ويتفقان — شأنهما شأن النظامين المصري وسائر الأنظمة المدنية العربية التي يقوم عليها القانون التجاري اليمني — على اعتبار التأمين عقداً من عقود الغاية القصوى في حسن النية يتطلب إفصاحاً كاملاً وصادقاً بين الطرفين. وفي عام 2023، طلب المطعون ضده، وهو بيت تجاري في صنعاء، تغطية تأمينية بحرية على البضائع من المدعية، وهي شركة تأمين يمنية، لشحنة من المنسوجات والإلكترونيات الاستهلاكية تبلغ قيمتها نحو 2.4 مليون دولار أمريكي، شُحنت من ميناء جبل علي في دبي إلى ميناء عدن. وكان نموذج طلب التأمين يلزم المؤمَّن له بالإفصاح عن أي خسائر في البضائع لحقت به خلال السنوات الخمس السابقة، وعن مسار الرحلة ووجهتها المقصودة. وقد أفصح المؤمَّن له عن عدم وجود خسائر سابقة، ووصف الوجهة ببساطة بأنها «عدن». أما في الحقيقة، فقد كان المؤمَّن له قد تكبد خسارتين كبيرتين في البضائع خلال السنوات الثلاث السابقة — إحداهما بالسرقة في ميناء عبور والأخرى بالاحتجاز المرتبط بالحرب — وكانت البضائع في نهاية المطاف متجهة إلى النقل البري فصاعداً إلى منطقة تشهد انعداماً متصاعداً للأمن في الداخل. ومضت الرحلة واحتُجزت السفينة، مما أسفر عن خسارة كلية حكمية للبضائع. وعندما طالب المؤمَّن له بموجب الوثيقة، اكتشفت المؤمِّن الوقائع غير المصرَّح بها، وأنكرت المسؤولية، وطلبت حكماً يثبت حقها في نقض الوثيقة بأثر رجعي (منذ البداية). ودفع المؤمَّن له بأن حالات الإغفال كانت بريئة، وأن المكتتب كان ينبغي له أن يجري تحرياته الخاصة، وأن المؤمِّن قد تنازل عن أي حق في النقض بقبولها القسط وإصدارها الوثيقة دون مزيد من الاستفسار. وقضت محكمة الدرجة الأولى لمصلحة المؤمِّن؛ ثم نقضت محكمة الاستئناف الحكم، معتبرةً أن عدم الإفصاح الاحتيالي وحده هو الذي يبرر النقض. فطعنت المؤمِّن أمام المحكمة العليا.

المسائل الرئيسية

حددت المحكمة العليا ثلاث مسائل للفصل فيها: (1) هل يُعد عقد التأمين البحري على البضائع بمقتضى القانون اليمني عقداً من عقود الغاية القصوى في حسن النية، وهل يلتزم المؤمَّن له بالإفصاح عن الوقائع الجوهرية في تقدير الخطر حتى حيث لم يسأل المؤمِّن عنها تحديداً؛ (2) هل يكفي عدم الإفصاح البريء (غير الاحتيالي) عن واقعة جوهرية لتخويل المؤمِّن حق نقض الوثيقة، وبأي معيار تُقدَّر الجوهرية — بالنظرة الذاتية للمؤمِّن المعين أم بالمعيار الموضوعي للمؤمِّن الحريص؛ و(3) هل تكون المؤمِّن، بقبولها القسط أو بإصدارها الوثيقة أو بتأكيدها العقد على نحو آخر، قد تنازلت عن أي حق في النقض عن عدم إفصاح كانت تعلمه أو كان ينبغي لها أن تعلمه.

الحكم

قبلت المحكمة العليا طعن المؤمِّن، وأعادت العمل بحكم الدرجة الأولى إلى حد كبير، وأصدرت التقريرات التالية:

(1) التأمين البحري على البضائع عقد من عقود الغاية القصوى في حسن النية. وقررت المحكمة أن التأمين، والتأمين البحري على البضائع فوق كل شيء، عقد من عقود الغاية القصوى في حسن النية يمتلك فيه المؤمَّن له علماً بوقائع تتعلق بالخطر لا يستطيع المؤمِّن في العادة الحصول عليها بنفسه. ومن ثم يقع على المؤمَّن له واجب إيجابي ومستمر في الإفصاح عن كل واقعة جوهرية في تقدير المؤمِّن للخطر وقت إبرام الوثيقة، سواء وجه المؤمِّن سؤالاً محدداً أم لا؛ فالسكوت، حيث يعلم المؤمَّن له بواقعة جوهرية، يُعد في ذاته إخلالاً بواجب الصدق (بياناً غير صحيح). ورفضت المحكمة دفع المؤمَّن له بأن المكتتب كان ينبغي له أن يجري تحرياته الخاصة، مقررةً أن واجب الإفصاح يقع مباشرة على عاتق الطرف الذي يعلم بالوقائع.

(2) يكفي عدم الإفصاح البريء عن واقعة جوهرية لنقض الوثيقة، وتُقدَّر الجوهرية بمعيار موضوعي. وقررت المحكمة أنه لما كان الجزاء على الإخلال بواجب حسن النية هو نقض العقد بأثر رجعي وليس التعويض، فإنه لا يلزم المؤمِّن إثبات الاحتيال أو نية الخداع؛ ويكفي الإخفاق البريء في الإفصاح عن واقعة جوهرية. وتُقدَّر الجوهرية بمعيار موضوعي: فالواقعة جوهرية إذا كانت مما كان المؤمِّن الحريص سيأخذه في الاعتبار عند البت في قبول الخطر أصلاً، أو في شروطه وقسطه. وبتطبيق هذا المعيار، كانت الخسارتان السابقتان غير المصرَّح بهما والوجهة البرية اللاحقة عالية الخطورة غير المصرَّح بها جوهرية بوضوح، إذ تمس كل منهما مباشرة تقدير المؤمِّن للخطر والقسط الذي كانت ستطالب به. وقررت المحكمة كذلك أن عبء إثبات أن الواقعة غير المصرَّح بها جوهرية يقع على المؤمِّن، وأن المؤمِّن قد أنجزت هذا العبء في هذه الدعوى.

(3) يسقط الحق في النقض بالتأكيد أو بقبول القسط مع العلم. وقررت المحكمة أن حق المؤمِّن في نقض الوثيقة بسبب عدم الإفصاح حق إنصافي قد يسقط بالتنازل أو بالاختيار: فحيث تعامل المؤمِّن الوثيقة، مع علمها بعدم الإفصاح، على أنها باقية، أو تستمر في قبول القسط، أو تؤكد العقد على نحو آخر، فلا يجوز لها النقض لاحقاً. بيد أن المؤمِّن، وفقاً للوقائع، لم تكن تعلم بالوقائع غير المصرَّح بها إلا بعد الإخطار بالخسارة، ومجرد قبولها القسط وإصدارها الوثيقة قبل حصول هذا العلم لا يعد تأكيداً للعقد. ومن ثم كان يحق للمؤمِّن نقض الوثيقة بأثر رجعي ورفض المطالبة، واسترداد أي مبالغ سبق أن دفعتها على سبيل التعويض.

الأهمية

يُعد هذا الحكم البيان اليمني الرائد لواجب غاية حسن النية في التأمين، ويكتسب وزناً خاصاً في بيئة تجارية شكلها النزاع وانعدام الأمن وتصاعد مخاطر البحر والبضائع. فمنذ تصاعد النزاع في عام 2015، صارت تجارة اليمن الواردة — التي يعتمد عليها البلد في الغذاء والوقود والسلع المصنعة — تُمرَّر شبه كلية عبر موانئ عدن والحديدة والمكلا، وواجهت شركات التأمين البحري على البضائع مراراً مطالبات ناشئة عن الاحتجاز والسرقة والأخطار المرتبطة بالحرب. وبتأكيدها أن المؤمَّن له يتحمل واجباً صارماً ومستمراً في الإفصاح عن الخسائر السابقة وعن الطبيعة الحقيقية للرحلة، وأن حتى عدم الإفصاح البريء عن واقعة جوهرية يجيز النقض، زوّدت المحكمة العليا شركات التأمين بعلاج واضح في مواجهة الإخفاء، وفي الوقت نفسه قيّدت ذلك العلاج بمعيار المؤمِّن الحريص الموضوعي، وبتحميل عبء الإثبات للمؤمِّن، وبمبدأي التنازل والتأكيد. ويحمل القرار أيضاً إرشاداً عملياً واضحاً للشاحنين والمستوردين في اليمن والمنطقة الأوسع: فنموذج طلب التأمين ليس مجرد إجراء شكلي، ويجب الإفصاح عن الخسائر السابقة والوجهات اللاحقة بصراحة وبصورة كاملة، وإن الإخفاق في ذلك قد يُسقط التغطية في اللحظة التي تشتد الحاجة إليها. ويلاحظ الممارسون توافق منطق المحكمة مع التقليد التأميني البحري المقرر في قانون التأمين البحري الإنجليزي لعام 1906 والمطبَّق في الأنظمة المدنية العربية، ويلاحظون أن المبادئ ذاتها يُرجَّح أن تحكم التأمين من الحريق والسيارات وسائر فروع التأمين التي يُعترف فيها بنظرية غاية حسن النية. ويُتوقع أن يُستشهد بالقضية أينما طُلب من المحاكم اليمنية التوفيق بين واجب الإفصاح ومبادئ حسن النية المستندة إلى الشريعة وحظر الغرر التي يقوم عليها البديل الإسلامي (التكافلي) للتأمين التقليدي.

«التأمين عقد من عقود الغاية القصوى في حسن النية. فالمؤمَّن له، الذي يعلم بالوقائع المتعلقة بالخطر، والمؤمِّن، الذي لا يعلم بها، ليسا على قدم المساواة، ومن ثم يقع على المؤمَّن له واجب الإفصاح عن كل واقعة جوهرية في تقدير الخطر، سواء سأل المؤمِّن أم لم يسأل. وتكون الواقعة جوهرية إذا كان المؤمِّن الحريص سيأخذها في الاعتبار عند البت في قبول الخطر وفي شروطه. وعدم الإفصاح الجوهري — حتى لو كان بريئاً — يخوّل المؤمِّن نقض الوثيقة؛ غير أن المؤمِّن يتحمل عبء إثبات الجوهرية، ويسقط حقه في النقض حيث يؤكد الوثيقة أو يقبل قسطاً إضافياً مع علمه بعدم الإفصاح.» — قاضٍ في المحكمة العليا اليمنية