أصدرت محكمة النقض السورية (وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد في المسائل المدنية والتجارية) حكماً بارزاً في شأن حماية الوكلاء التجاريين المحليين بموجب المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 2008 (قانون الوكالات التجارية والوساطة). ونشأ النزاع حول وكيل تجاري سوري ظل يحتفظ، لأكثر من عقد من الزمان، بالوكالة الحصرية لتوزيع آليات البناء الخاصة بمصنّع أجنبي، وقرارِ الموكل بإنهاء الوكالة بإشعار مدته تسعون يوماً استناداً إلى بند تعاقدي، وتعيينِه موزعاً منافساً بدلاً منه. وقضت المحكمة بأنه (أولاً) قانون الوكالات التجارية من القوانين ذات الصفة الآمرة (النظام العام)، بحيث تسري أحكامه الحمائية رغم أي بند مخالف في عقد الوكالة؛ و(ثانياً) لا يجوز للموكل الأجنبي إنهاء وكالة تجارية مسجلة أو الامتناع عن تجديدها إلا لسبب مشروع يعود إلى الوكيل، ويكون الإنهاء المستند إلى مجرد الإشعار دون هذا السبب إنهاءً غير مبرر؛ و(ثالثاً) يستحق الوكيل الذي أُنهيت وكالته دون مبرر تعويضاً يشمل فقدان الربح وقيمة قاعدة العملاء والسمعة التجارية التي بناها والاستثمارات غير المستردة في النشاط؛ و(رابعاً) لا يجوز للطرفين بالاتفاق — بما في ذلك بند الخضوع لقانون أجنبي حاكم أو بند التحكيم — إقصاء اختصاص المحاكم السورية أو الحمايات الإلزامية للقانون. ويعيد الحكم تأكيد نظام سوريا الحمائي القوي للوكلاء التجاريين المحليين، ويشكّل من أوضح البيانات القضائية في شأن حدود سلطة الإنهاء التعاقدية في علاقات الوكالة.
تنظّم سوريا الوكالة التجارية والوساطة من خلال المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 2008، الذي يشترط في الوكلاء التجاريين الممثلين لموكّلين أجانب أن يكونوا من المواطنين السوريين أو الشركات السورية، ويلزمهم بالقيد في سجل الوكالات التجارية الذي تتولاه وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، ويمنح الوكلاء المسجلين حزمة من الحقوق الحمائية — من بينها الحق في التعويض عند إنهاء الموكل الوكالة أو امتناعه عن تجديدها دون سبب مشروع. وفي عام 2011، أبرمت المدعى عليها، وهي شركة تجارية مقرها دمشق مقيدة على النحو الواجب في سجل الوكالات التجارية، اتفاق وكالة مع المدعية، وهي مصنّع أوروبي لآليات البناء الثقيلة ومعدات تحريك التربة، منحت بموجبه المدعى عليها الحق الحصري في استيراد منتجات المصنّع وتوزيعها وصيانتها في جميع أنحاء سوريا. وتضمّن الاتفاق بنداً يجيز لأي من الطرفين الإنهاء بإشعار كتابي مدته تسعون يوماً دون سبب، وبنداً آخر يخضع الاتفاق لقانون دولة مقر الموكل وللتحكيم في الخارج. وعلى مدى العقد التالي، استثمرت المدعى عليها بكثافة في العلاقة — إذ أنشأت شبكة وطنية من الوكلاء الفرعيين ومراكز خدمة ما بعد البيع، وخزّنت قطع الغيار، وبنَت محفظة كبيرة من العملاء المؤسسيين، بمن فيهم مقاولو الأشغال العامة وجهات الإنشاءات المملوكة للدولة. وفي عام 2023، وفي أعقاب إعادة هيكلة للمصنّع، وجّه المصنّع إشعاراً كتابياً بالإنهاء مدته تسعون يوماً، وامتنع عن تجديد الوكالة عند انقضائها، ثم عيّن بعد ذلك بقليل موزعاً منافساً للسوق السورية. فباشرت المدعى عليها الدعوى أمام المحكمة التجارية بدمشق مطالبةً بالتعويض بموجب المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 2008، دفاعاً بأن الإنهاء غير مبرر وأن بندي الإشعار والقانون الأجنبي باطلان لتعارضهما مع أحكام القانون ذات الصفة الآمرة. وقاوم المصنّع الدعوى مستنداً إلى بندي الإنهاء والقانون الحاكم وإلى اتفاق التحكيم، الذي دفع بأنه يسلب المحاكم السورية اختصاصها. وأيّدت المحكمة التجارية طلب الوكيل وقضت بتعويض كبير؛ ثم خفّضت محكمة الاستئناف المبلغ، معتبرةً أن بند الإشعار نافذ لكن الوكيل يستحق مع ذلك مبلغاً مخفّضاً. فطعن الطرفان بالحكم أمام محكمة النقض، مثيرين على التوالي مسألتي ما إذا كان بند الإشعار يُسقط الدعوى بالكامل، وما إذا كان يجوز الاتفاق على إسقاط حمايات القانون.
حددت محكمة النقض أربع مسائل للفصل فيها: (1) هل يُعد قانون الوكالات التجارية (المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 2008) من القوانين المتعلقة بالنظام العام التي تلزم أحكامُها الطرفين رغم أي شروط تعاقدية مخالفة، بما في ذلك البند الذي يجيز الإنهاء بالإشعار؛ (2) هل يُشكّل إنهاء وكالة تجارية مسجلة دون سبب مشروع يعود إلى الوكيل — أو الامتناع عن تجديدها — إنهاءً غير مبرر يرتّب الحق في التعويض، وما الذي يعتدّ به «سبباً مشروعاً»؛ (3) ما هو المعيار الصحيح لتقدير تعويض الوكيل، ولا سيما ما إذا كان يمتد إلى الربح الفائت وقيمة قاعدة العملاء والسمعة التجارية والاستثمارات غير المستردة؛ و(4) هل يجوز للطرفين الاتفاق صحيحاً على قانون أجنبي حاكم أو على تحكيم من شأنه إقصاء تطبيق القانون واختصاص المحاكم السورية.
رفضت محكمة النقض طعن المصنّع جزئياً، وقبلت طعن الوكيل، وأصدرت التقريرات التالية:
(1) قانون الوكالات التجارية من القوانين المتعلقة بالنظام العام. وقررت المحكمة أن المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 2008 صدر لحماية الوكلاء التجاريين السوريين — الذين هم بحكم التعريف الطرف الأضعف اقتصادياً في مواجهة الموكل الأجنبي — ولصون مصالح الاقتصاد السوري، وأن أحكامه لذلك تتصف بصفة النظام العام التي لا يجوز للطرفين مخالفتها بالاتفاق. ولا يصح أن يُسقط بند تعاقدي يجيز الإنهاء بالإشعار دون سبب اشتراطَ السبب المشروع المنصوص عليه في القانون، لأن الحماية القانونية ستُفرَّغ من مضمونها بسبب المركز التفاوضي الأعلى للموكل.
(2) الإنهاء دون سبب مشروع إنهاء غير مبرر يرتّب الحق في التعويض. وقررت المحكمة أنه لا يجوز للموكل إنهاء وكالة تجارية مسجلة أو الامتناع عن تجديدها إلا لسبب مشروع يعود إلى الوكيل — كالإخلال الجسيم بالتزامات الوكيل أو الغش أو الخطأ الجسيم — وأن عبء إثبات هذا السبب يقع على عاتق الموكل. وحيث إن الموكل في هذه الدعوى أنهى الوكالة لمصلحته التجارية الخاصة وعيّن فوراً موزعاً منافساً، فإن الإنهاء كان غير مبرر، ولا يشكّل بند الإشعار أي دفع مقبول. وقررت المحكمة كذلك أن الامتناع عن تجديد الوكالة عند انقضائها يُعامل معاملة الإنهاء الفعلي، بحيث لا يجوز للموكل التحايل على القانون بمجرد ترك المدة تنقضي.
(3) يستحق الوكيل تعويضاً كاملاً عن فقدان الوكالة. وقررت المحكمة أن معيار التعويض بموجب القانون معيار جابر، يهدف إلى وضع الوكيل، قدر ما تسمح به النقود، في المركز الذي كان سيكون فيه لو استمرت الوكالة. ويشمل ذلك (أ) صافي الربح الذي كان الوكيل سيحققه خلال مدة متبقية معقولة من الوكالة؛ و(ب) قيمة قاعدة العملاء والسمعة التجارية التي بناها الوكيل، والتي تعود بالنفع على الموكل عند الإنهاء؛ و(ج) الاستثمارات غير المستردة في شبكة التوزيع والخدمة والتخزين وتطوير السوق، بالقدر الذي لم يتم استهلاكها. وأعادت المحكمة العمل بحكم الدرجة الأولى، معتبرةً أن محكمة الاستئناف أخطأت في اعتبار بند الإشعار نافذاً وفي تجاهل قيمة قاعدة العملاء.
(4) لا يجوز لبنود القانون الأجنبي والتحكيم إقصاء القانون أو اختصاص المحاكم السورية. وقررت المحكمة أنه، لكون قانون الوكالات التجارية من القوانين المتعلقة بالنظام العام، فإن أي اتفاق يخضع الوكالة لقانون أجنبي أو ينص على التحكيم في الخارج يكون غير نافذ بالقدر الذي يحرم الوكيل من حمايات القانون أو يُخرج النزاع من ولاية المحاكم السورية. ومن ثم فقد كانت دعوى الوكيل بموجب القانون معروضة صحيحاً أمام المحاكم السورية رغم بند التحكيم، ولا يصح أن يحل بند القانون الأجنبي الحاكم محل التطبيق الإلزامي للقانون.
يُعد هذا الحكم بياناً حاسماً لنظام سوريا الحمائي للوكلاء التجاريين، ويحمّل عواقب كبيرة للمصنّعين والمصدّرين الأجانب العاملين في السوق السورية. فبتأكيده أن المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 2008 من القوانين المتعلقة بالنظام العام وأن الإنهاء غير المبرر يرتّب حقاً واسعاً في التعويض، جعلت محكمة النقض واضحاً أنه لا يجوز للموكل الأجنبي ببساطة أن «ينسحب» من وكالة مسجلة مستنداً إلى بند الإشعار أو بند القانون الأجنبي الحاكم أو اتفاق تحكيم خارجي — وهي الأدوات ذاتها الأكثر شيوعاً في عقود التوزيع الدولية لإدارة مخاطر الخروج. أما بالنسبة للموكلين الأجانب، فالدرس العملي صارخ: يجب التخطيط لدخول السوق السورية عبر وكيل تجاري مع مراعاة حمايات القانون الإلزامية، ويجب أن يستند الإنهاء إلى سبب مشروع موثّق يعود إلى الوكيل، لا إلى الملاءمة التجارية. أما بالنسبة للوكلاء السوريين، فيعزز الحكم موقفهم التفاوضي ويؤكد قابلية إنفاذ حقوقهم القانونية في مواجهة الموكلين الأجانب. ويحمل الحكم أيضاً صدى إقليمياً: فتشريع سوريا لحماية الوكالة ينتمي إلى عائلة من الأنظمة الإلزامية المماثلة في أنحاء العالم العربي — بما في ذلك الإمارات والكويت وعُمان ولبنان — ومن المرجح أن يُستشهد بمنطق المحكمة بشأن الصفة الآمرة لهذه القوانين وبعدم نفاذ بنود القانون الأجنبي والتحكيم في دعاوى تُقام في أماكن أخرى من المنطقة يسعى فيها موكلون أجانب إلى الالتفاف على حمايات الوكالة المحلية. ويلاحظ الممارسون أن الحكم يؤكد أهمية تنظيم أي خروج من وكالة سورية عبر التفاوض والتسوية، إذ إن كلفة الإنهاء غير المبرر — المقدَّرة بالرجوع إلى الربح الفائت والسمعة التجارية والاستثمارات غير المستردة — ستتجاوز في الغالب قيمة مجرد تجديد العلاقة.
«لقد صدر قانون الوكالات التجارية تحقيقاً للمصلحة العامة، لحماية الوكيل الوطني والاقتصاد الوطني، وأحكامه من النظام العام الذي لا يجوز للأطراف مخالفته باتفاقهم. ولا يملك الموكل إنهاء الوكالة إلا لسبب مشروع يعود إلى الوكيل، ومتى أنهى الوكالة دون هذا السبب وجب عليه تعويض الوكيل عن كل ما فاته — من الربح الذي حُرم منه، وقيمة العملاء الذين بناهم، والاستثمار الذي لم يسترده. ولا يغني الموكلَ بندٌ يجيز الإنهاء بالإشعار، ولا يقف قانون أجنبي أو تحكيم أجنبي في طريق القضاء السوري وقانون هذا البلد، فما جعله القانون من النظام العام لا تستطيع إرادة الأطراف أن تجعله خاصاً.» — قاضٍ في محكمة النقض السورية