English 中文
← العودة

المحكمة العليا السودانية: استرداد ربح الثمن المؤجل في عقد مرابحة تمويلية عند الفسخ المبكر (2024)

2026-08-15 · السودان · التمويل الإسلامي وقانون المصارف · تمييز مدني رقم 328/2024

التمويل الإسلاميقانون المصارفالمرابحةالسودان

الملخص

أصدرت المحكمة العليا السودانية، وهي أعلى محكمة استئناف في البلاد، حكماً مهماً في شأن آثار الفسخ المبكر لعقد المرابحة — وهو عقد التمويل بالثمن المؤجل القائم على هامش ربح مضاف إلى التكلفة، ويشكل العمود الفقري للنظام المصرفي السوداني المُأسلم بالكامل. ونشأ النزاع حول شركة تعمل في مجال التصنيع الزراعي أخلّت بالتزاماتها في تسهيل مرابحة مدته خمس سنوات استُخدم لتمويل شراء معدات طحن، ومحاولة المصرف المموّل، عند تعجيله استحقاق التسهيل وإعلان كامل الثمن المؤجل حالّاً فوراً، أن يسترد ليس فقط أصل الثمن المتبقي (رأس المال) بل أيضاً كامل هامش الربح المؤجل المقرر للأقساط المتبقية غير المنقضية. وقضت المحكمة بأنه (أولاً) المرابحة عقد بيع يُكتسب فيه عنصر الربح في مقابلة أجل الثمن الممنوح للمشتري، غير أن الربح لا يُكتسب إلا بمرور الزمن وحلول أجل الدين؛ و(ثانياً) عند الفسخ المبكر يحق للمصرف أصل الثمن المتبقي، مضافاً إليه الربح المستحق حتى تاريخ الفسخ، وأي خسارة فعلية يثبتها أمام المحكمة؛ و(ثالثاً) لا يجوز للمصرف استرداد الربح غير المكتسب العائد إلى المدة غير المنقضية من التسهيل، لأن المطالبة بربح عن زمن لم يمضِ بعد تعد ربا محرماً بمقتضى الشريعة الإسلامية وتشريعات الصيرفة الإسلامية في السودان. ويُعد هذا القرار من أوضح التقريرات القضائية في النظام السوداني للتمييز بين ربح الثمن المؤجل المشروع في المرابحة والفائدة المحرمة، ويجعل الاجتهاد القضائي السوداني متسقاً مع المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي).

الوقائع

يعمل القطاع المصرفي السوداني في ظل نظام الأسلمة الكاملة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومنذ اتفاقية السلام الشامل والترتيبات الدستورية الانتقالية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حلّت المنتجات المتوافقة مع الشريعة، التي تُدار تحت إشراف بنك السودان المركزي والهيئة العليا للرقابة الشرعية، محل النظام التقليدي القائم على الفائدة بشكل رسمي. وفي عام 2021، أبرم المصرف المدعي — وهو مصرف إسلامي مرخّص — عقد مرابحة مع المدعى عليها، وهي شركة خاصة تُشغّل مصانع لطحن الدقيق في منطقة الجزيرة، لشراء معدات طحن صناعية ثم إعادة بيعها، بلغ ثمن تكلفتها 900 مليون جنيه سوداني. وبموجب هيكل المرابحة، اشترى المصرف المعدات من المصنّع، وقبضها قبضاً حكمياً عن طريق وكيله (المدعى عليها ذاتها)، ثم باعها للمدعى عليها بثمن مؤجل قدره 1,350 مليون جنيه سوداني، يمثل هامش ربح مُفصحاً عنه قدره 450 مليون جنيه سوداني موزعاً على ستين قسطاً شهرياً على مدى خمس سنوات. وتسلمت المدعى عليها المعدات وسددت أربعة وعشرين قسطاً من أصل الستين قبل أن تتوقف عن السداد. وبعد إخلال المدعى عليها بثلاثة أقساط متتالية، لجأ المصرف إلى شرط التعجيل الوارد في العقد، فأعلن كامل الرصيد المتبقي — بما في ذلك كامل الربح غير المكتسب عن الأشهر الستة والثلاثين المتبقية — حالاً وواجب الأداء فوراً، وأقام الدعوى أمام المحكمة التجارية مطالباً بأصل الثمن المتبقي مضافاً إليه كامل الربح غير المكتسب. وقضت المحكمة التجارية للمصرف بكامل طلباته، معتبرةً أن شرط التعجيل يُلزم المدعى عليها بكامل الثمن المؤجل بمجرد وقوع الإخلال. فاستأنفت المدعى عليها أمام محكمة الاستئناف التي أيدت حكم المحكمة التجارية، ووصل النزاع إلى المحكمة العليا بطريق طعن آخر أثار مسألة قانونية واحدة: هل يحق للمصرف، عند الفسخ المبكر للمرابحة، استرداد كامل ربح الثمن المؤجل عن المدة غير المنقضية؟

المسائل الرئيسية

حددت المحكمة العليا ثلاث مسائل للفصل فيها: (1) هل عقد المرابحة التمويلية عقد بيع حقيقي يُكتسب فيه ربح الثمن المؤجل بشكل مشروع كعوض عن الأجل الممنوح، أم أن عنصر الربح فيه يعادل وظيفياً الفائدة فيخضع تبعاً لذلك لذات القيود الواردة على استردادها؛ (2) هل يخوّل شرط التعجيل الوارد في عقد المرابحة المموّلَ، عند إخلال العميل وفسخ التسهيل مبكراً، استرداد كامل ربح الثمن المؤجل المقرر للمدة المتبقية، أم الربح المستحق حتى تاريخ الفسخ فقط؛ و(3) هل يجوز للمصرف، وإلى أي مدى، أن يطالب إضافةً إلى ذلك بتعويض عن الضرر الناشئ عن الإخلال بما يتفق مع مبادئ الشريعة، ولا سيما حظر فرض غرامة على المدين المخل تُحتسب بالرجوع إلى الزمن أو إلى مقدار الدين.

الحكم

قبلت المحكمة العليا الطعن جزئياً وأصدرت التقريرات التالية:

(1) المرابحة عقد بيع مشروع، وربح ثمنها المؤجل ليس فائدة من حيث المبدأ. وقررت المحكمة أن المرابحة الصحيحة — التي يملك فيها المموّل الأصل ملكية حقيقية، ويتحمل مخاطره، ثم يعيد بيعه بهامش ربح مُفصح عنه — عقد بيع يكون فيه هامش الربح ثمناً مشروعاً لأجل الائتمان الممنوح للمشتري، وليس ربا. غير أن المحكمة نبّهت إلى أن هذا التكييف مرهون بتحقق الملكية الحقيقية للمموّل وتحملِه المخاطر؛ فالمرابحة التي ليست إلا وسيلة لتقديم النقود بعائد ثابت، دون أصل حقيقي قائم ودون انتقال مخاطر الأصل، تُعاد تكييفها إلى قرض محرّم بالفائدة.

(2) لا يُكتسب الربح في المرابحة إلا بحلول أجل دين الثمن المؤجل بمرور الزمن، ولا يجوز استرداد الربح غير المكتسب عند الفسخ المبكر. وقررت المحكمة أنه عند إخلال العميل واختيار المموّل فسخ التسهيل مبكراً، يحق للمموّل (أ) أصل الثمن المتبقي (رأس المال) بوصفه ديناً حالاً واجب الأداء، و(ب) الربح المستحق حتى تاريخ الفسخ، وهو الجزء من هامش الربح العائد إلى الأقساط التي حلّ أجلها ولم تُسدَّد بعد. ورفضت المحكمة صراحةً مطالبة المصرف بكامل الربح غير المكتسب عن الأشهر الستة والثلاثين المتبقية، مقررةً أن الربح هو عوض الائتمان الممنوح فعلاً عبر الزمن، وأن المطالبة بربح عن زمن لم ينقضِ بعد لا تمتاز عن الفائدة، فهي ربا باطل غير قابل للتنفيذ.

(3) يجوز للمموّل المطالبة بالتعويض عن الخسارة الفعلية الثابتة، لا بغرامة محسوبة على أساس الزمن. وقررت المحكمة أنه وإن كان المصرف لا يستطيع استرداد الربح غير المكتسب، فإنه يحق له المطالبة بالتعويض عن أي خسارة فعلية ثابتة سببها الإخلال مباشرة — كتكاليف الإدارة والتحصيل الموثقة وتكلفة الأموال المُوظَّفة فعلاً — شريطة ألا يُحتسب هذا التعويض نسبةً مئوية من الدين المتبقي أو بالرجوع إلى مرور الزمن، بما يخالف حظر الربا في الشريعة. وأحالت المحكمة تقدير أي خسارة ثابتة من هذا القبيل إلى المحكمة التجارية لإثباتها بالبينة لا بالاشتراط التعاقدي.

(4) لا يجوز لشرط التعجيل أن يتجاوز الطابع المتوافق مع الشريعة للمعاملة. وقررت المحكمة أن شرط التعجيل التعاقدي لا يستطيع، بمجرد نصوصه، أن يحوّل ربح الثمن المؤجل غير المكتسب إلى مبلغ واجب الأداء فوراً، لأن المتعاقدين لا يملكان بالاتفاق إحلال ما حرمته الشريعة والتشريع النافذ من الربا. وقد يجعل التعجيلُ أصل الثمن المتبقي والربح المستحق حالّين فوراً، لكنه لا يستطيع تعجيل اكتساب ربح لم يستحق بعد.

الأهمية

يُعد هذا الحكم علامة فارقة في منازعات التمويل الإسلامي في السودان، وعلى نحو أوسع في سوق الصيرفة العربية، لأنه يرسم حداً واضحاً وقابلاً للتنفيذ بين ربح الثمن المؤجل في المرابحة الحقيقية والاسترداد المحظور للربح غير المكتسب الذي يرقى إلى الفائدة. وبالنسبة للمصارف السودانية، يتطلب الحكم إعادة ضبط جوهرية لطريقة صياغة شروط التعجيل والفسخ المبكر وتنفيذها: فعقود المرابحة النمطية التي تجعل كامل الثمن المؤجل — بما في ذلك كل الربح غير المكتسب — حالاً فوراً عند الإخلال لن تعود قابلة للتنفيذ بهذا القدر، وسيحتاج المموّلون إلى بناء مطالباتهم بالاسترداد حول أصل الثمن المتبقي والربح المستحق والتعويض القائم على البينة عن الخسارة الفعلية. كما يعزز القرار مركزية شرط «الأصل الحقيقي»: فالمصارف التي تُشغّل تسهيلات مرابحة دون أصل حقيقي قائم ودون انتقال مخاطر الملكية تواجه احتمال إعادة تكييف الترتيب برمته إلى قرض بفائدة، مع إسقاط شرط الربح كلياً. وعلى نطاق أوسع، يجعل الحكم الممارسة القضائية السودانية متسقة مع المعيار الشرعي لهيئة أيوفي بشأن المرابحة، الذي ينص بدوره على أنه لا يجوز للمموّل المطالبة بالربح عن المدة التالية لفسخ العقد، ومن المرجح أن يُستشهد به أمام المحاكم وهيئات الرقابة الشرعية في أنحاء الخليج وشمال أفريقيا حيث تُتنازع بنود مماثلة بشكل روتيني. ويلاحظ الممارسون أن القرار يشير أيضاً إلى استعداد المحكمة العليا لإنفاذ مبادئ الشريعة مباشرة عبر المحاكم المدنية، باستقلال عن الإشراف الرقابي للبنك المركزي، بما يرفع الطابع المتوافق مع الشريعة للصيرفة الإسلامية من مسألة شكل رقابي إلى مسألة قانون موضوعي قابل للإنفاذ القضائي.

«إن المرابحة بيع، وربحها ثمن الزمن الذي أُجّل فيه الثمن. ومتى أُنهي العقد قبل انقضاء ذلك الزمن، فإن ثمن الزمن غير المنقضي لم يُكتسب، ولا يجوز المطالبة به. والمطالبة بربح عن زمن لم يمضِ ليست ثمناً، بل هي ربا، والربا محرّم بمقتضى الشريعة وقانون هذا البلد. وشرط العقد الذي يقصد إلى تعجيل كامل الربح المؤجل لا يغيّر من طبيعته شيئاً، لأن المتعاقدين لا يملكان بالاتفاق إحلال ما حرّمته الشريعة. فليسترد المصرف رأس ماله وربحه المستحق وخسارته الثابتة، ولا يسترد ما لم يكسبه.» — قاضٍ في المحكمة العليا السودانية