English 中文
← العودة

المحكمة العليا الليبية: القوة القاهرة والظروف الطارئة في عقود المقاولات أثناء النزاع المسلح (2024)

2026-08-17 · ليبيا · قانون الإنشاءات والعقود · الطعن رقم 412/2024

قانون الإنشاءاتالقوة القاهرةالعقودليبيا

الملخص

أصدرت المحكمة العليا الليبية، وهي أعلى محكمة في البلاد في المسائل المدنية والتجارية، حكماً فاصلاً في شأن القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة في عقود المقاولات. وتعلق النزاع بمقاول ليبي أوقف الأعمال في مشروع بنية تحتية حكومي مدة أربعة عشر شهراً بسبب النزاع المسلح وانهيار الأمن على طول طرق الإمداد، وما تلا ذلك من مطالبة رب العمل بالتعويض الاتفاقي وفسخ العقد بسبب التأخير. وقضت المحكمة بأنه (أولاً) النزاع المسلح الذي يجعل تنفيذ الأعمال مستحيلاً يُعد قوة قاهرة في معنى القانون المدني الليبي، بحيث لا يُعد المقاول واقعاً في تأخير يُنسب إليه تقصير؛ و(ثانياً) يجب التمييز بين القوة القاهرة — التي توقف الالتزام أو تسقطه — ونظرية الظروف الطارئة التي تنطبق حيث يبقى التنفيذ ممكناً لكنه أصبح مرهقاً بصورة فادحة بسبب أحداث عامة غير متوقعة، والتي تخوّل القاضي إعادة التوازن إلى العقد؛ و(ثالثاً) يستحق المقاول مدّ أجل التنفيذ والإعفاء من غرامات التأخير عن مدة النزاع، ولا يجوز لرب العمل أن يتخذ من الإيقاف أساساً لفسخ العقد؛ و(رابعاً) بالنسبة لفترة ما بعد النزاع التي استؤنفت فيها الأعمال وسط تصاعد حاد في تكاليف المواد والعمالة، تُبرر نظرية الظروف الطارئة إعادة توازن عادلة لشروط ثمن العقد. ويُعد هذا الحكم مرجعاً رائداً في توزيع المخاطر المرتبطة بالنزاع في مشاريع الإنشاءات الليبية، ويجعل القانون الليبي متسقاً مع التقاليد القانونية المدنية المصرية وغيرها من التقاليد العربية التي يقوم عليها القانون المدني الليبي.

الوقائع

يحكم القانون المدني الليبي (القانون رقم 4 لسنة 1954)، المصوغ على غرار القانون المدني المصري إلى حد بعيد، التزامات أطراف عقود المقاولات، ويجسّد نظريتين متصلتين ولكنهما متمايزتان: القوة القاهرة، التي بموجبها يسقط الالتزام أو يوقف حيث يصبح التنفيذ مستحيلاً بسبب سبب أجنبي خارج عن إرادة المدين، ونظرية الظروف الطارئة، التي يجوز للقاضي بموجبها أن يخفّض التزاماً أصبح مرهقاً بصورة فادحة في أعقاب أحداث عامة غير متوقعة. وفي عام 2019، أبرمت المدعى عليها، وهي شركة إنشاءات مقرها بنغازي، عقداً مع المدعية، وهي هيئة بنية تحتية حكومية، لإنشاء طريق سريع رئيسي وأعمال مرافق مرتبطة به في المنطقة الشرقية. وتضمّن العقد بنداً بالتعويض الاتفاقي عن التأخير وبنداً يجيز لرب العمل فسخ العقد عند التأخير الطويل الذي يُنسب إلى تقصير. وسارت الأعمال وفق البرنامج حتى اجتاح المنطقة نزاع مسلح متجدد: فانقطعت طرق الإمداد، وتعذّر الحصول على الوقود ومواد البناء، وصار الموقع غير قابل للوصول، وأُجلي موظفو المقاول حفاظاً على سلامتهم. فأعلن المقاول القوة القاهرة وأوقف الأعمال، التي ظلت متوقفة نحو أربعة عشر شهراً. وعندما استؤنفت الأعمال في نهاية المطاف، طالب رب العمل بالتعويض الاتفاقي عن كامل مدة الإيقاف ثم زعم فسخ العقد بسبب التأخير، في حين طالب المقاول بمدّ أجل التنفيذ والإعفاء من غرامات التأخير وتعويض تكاليف تأمين الموقع وسحب المعدات وإعادة نشرها، وبإعادة توازن ثمن العقد ليعكس التصاعد الحاد في تكاليف المواد والعمالة الذي وقع أثناء النزاع. وقبلت محكمة الدرجة الأولى دعوى المقاول إلى حد كبير؛ ثم نقضت محكمة الاستئناف الحكم جزئياً، معتبرةً أن المقاول كان بوسعه التخفيف من الضرر بجلب المواد عبر طرق بديلة وأن دعوى تصاعد الأسعار غير قابلة للفصل القضائي. فطعن المقاول أمام المحكمة العليا في التفسير الصحيح للقوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة بمقتضى القانون المدني.

المسائل الرئيسية

حددت المحكمة العليا ثلاث مسائل للفصل فيها: (1) هل يُشكل النزاع المسلح وعواقبه — انقطاع طرق الإمداد وتعذّر الحصول على المواد وعدم قابلية الموقع للوصول — قوة قاهرة بمقتضى القانون المدني الليبي، وهل كان يتعين على المقاول إثبات الاستحالة المطلقة والدائمة للتنفيذ؛ (2) ما العلاقة الصحيحة بين القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة، وأي النظريتين تحكم مطالبات المقاول بالإعفاء من التأخير وبإعادة التوازن إلى ثمن العقد؛ و(3) هل يحق لرب العمل فرض غرامات التأخير وفسخ العقد بسبب التأخير، وما مدى حق المقاول في استرداد التكاليف التي تكبدها في تأمين الموقع وسحب المعدات وإعادة نشرها.

الحكم

قبلت المحكمة العليا طعن المقاول جزئياً، وأعادت العمل بحكم الدرجة الأولى إلى حد كبير، وأصدرت التقريرات التالية:

(1) النزاع المسلح الذي يجعل التنفيذ مستحيلاً يُعد قوة قاهرة. وقررت المحكمة أن النزاع المسلح وانقطاع طرق الإمداد وتعذّر الحصول على المواد وعدم قابلية الموقع للوصول تُعد «أسباباً أجنبية» خارجة عن إرادة المقاول جعلت تنفيذ الأعمال مستحيلاً طوال مدة النزاع، ومن ثم فإن القوة القاهرة ثابتة. ورفضت المحكمة ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف من أن المقاول كان بوسعه التخفيف من الضرر بجلب المواد عبر طرق بديلة، مقررةً أن المقاول غير ملزم بإثبات الاستحالة المطلقة والدائمة، ولا بتعريض حياة عماله للخطر أو تكبد نفقات استثنائية غير متناسبة، حتى يحتج بالقوة القاهرة؛ ويكفي أن يكون التنفيذ مستحيلاً عن المدة المعنية في الظروف كما كانت قائمة فعلاً.

(2) القوة القاهرة والظروف الطارئة نظريتان متمايزتان لكل منهما معالجة مختلفة. أقامت المحكمة تمييزاً دقيقاً بين النظريتين: فالقوة القاهرة تعمل حيث يكون التنفيذ مستحيلاً كلياً، وتفضي إلى إيقاف الالتزام أو سقوطه وإعفاء المدين من المسؤولية عن عدم التنفيذ؛ أما نظرية الظروف الطارئة فتعمل، على النقيض من ذلك، حيث يبقى التنفيذ ممكناً لكنه أصبح مرهقاً بصورة فادحة بسبب أحداث عامة غير متوقعة ذات طابع استثنائي، وهي تخوّل القاضي — لا إسقاط الالتزام — بل تخفيضه إلى حد معقول بما يعيد التوازن العقدي. وقررت المحكمة أن النزاع المسلح أنشأ قوة قاهرة عن مدة الأعمال القتالية الفعلية وعدم قابلية الموقع للوصول، وأنشأ ظروفاً طارئة عن الفترة اللاحقة التي استؤنفت فيها الأعمال وسط تصاعد حاد وغير متوقع في تكاليف المواد والعمالة.

(3) يستحق المقاول مدّ أجل التنفيذ والإعفاء من غرامات التأخير. وقررت المحكمة أنه، وقد ثبتت القوة القاهرة، فإن المقاول لم يكن واقعاً في تأخير يُنسب إليه تقصير خلال مدة الإيقاف، ويستحق مدّ أجل التنفيذ بما يتناسب مع ذلك والإعفاء من غرامات التأخير عن تلك المدة. ومن ثم كان فسخ رب العمل للعقد بدعوى التأخير غير مبرر، ويستحق المقاول استرداد التكاليف المعقولة لتأمين الموقع وسحب المعدات وإعادة نشرها.

(4) تبرر نظرية الظروف الطارئة إعادة التوازن إلى العقد. وقررت المحكمة أن التصاعد اللاحق للنزاع في تكاليف المواد والعمالة يُعد حدثاً عاماً استثنائياً غير متوقع في معنى نظرية الظروف الطارئة، وأنه يتعين على القاضي تخفيض التزام رب العمل بالقدر اللازم لإعادة التوازن العقدي — في هذه القضية بتعديل ثمن العقد لمراعاة التكاليف المتصاعدة — دون إعفاء أي من الطرفين من العقد.

الأهمية

يُعد هذا الحكم بياناً رائداً لقانون الإنشاءات الليبي وللتفاعل بين القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة، وله عواقب بعيدة المدى على المقاولين وأرباب العمل العاملين في الأسواق المتأثرة بالنزاع. فمنذ عام 2011، انقطع أو تُرك جزء كبير من مشاريع الإنشاءات العامة والخاصة في ليبيا بسبب النزاع المسلح، وظل التكييف القانوني لتلك الانقطاعات موضع عدم يقين مستمر. وبقضائها بأن النزاع المسلح الذي يجعل الأعمال مستحيلة يُعد قوة قاهرة، وبأن المقاول غير ملزم بإثبات الاستحالة المطلقة أو بتعريض عماله للخطر حتى يحتج بها، جلبت المحكمة العليا وضوحاً مرحباً به إلى توزيع المخاطر المرتبطة بالنزاع، وجعلت من الأصعب كثيراً على أرباب العمل تحويل حالات الإيقاف الناشئة عن القوة القاهرة إلى أساس لغرامات التأخير أو الفسخ. وفي الوقت نفسه، فإن التحديد الدقيق الذي أقامته المحكمة بين القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة — وتأكيدها أن الأخيرة تجيز إعادة توازن قضائية للعقد حيث يبقى التنفيذ ممكناً لكنه مرهق بصورة فادحة — يزود المحاكم بأداة مرنة وعادلة للتعامل مع بيئة التكاليف بعد النزاع دون إلغاء العقد. ويحمل الحكم أيضاً صدى إقليمياً: فالقانون المدني الليبي ينتمي إلى العائلة القانونية المدنية المصرية التي تقوم عليها قوانين كثير من العالم العربي، ومن المرجح أن يُستشهد بمنطق المحكمة في شأن النظريتين في منازعات الإنشاءات والبنية التحتية في أماكن أخرى من المنطقة حيث يسعى الأطراف إلى الإعفاء من عواقب النزاع أو العقوبات أو الاضطراب الاقتصادي المفاجئ. ويلاحظ الممارسون أن الدرس العملي لأطراف عقود الإنشاءات الليبية هو صياغة بنود القوة القاهرة والمشقة بدقة، وتوثيق أسباب أي إيقاف في حينه، وحفظ الأدلة على التكاليف المتصاعدة، إذ إن توافر كل من الإعفاء بالقوة القاهرة وإعادة التوازن العادلة سيتوقف في الغالب على جودة السجل الوقائعي.

«القوة القاهرة والظروف الطارئة نظريتان متمايزتان، لكل منهما مجالها الخاص ومعالجتها الخاصة. فحيث يجعل سبب أجنبي خارج عن إرادة المدين التنفيذ مستحيلاً، يوقف الالتزام أو يسقط ولا يُعد المدين واقعاً في تأخير؛ وحيث يبقى التنفيذ ممكناً لكنه أصبح مرهقاً بصورة فادحة بسبب أحداث عامة لا يمكن توقعها، لا يسقط الالتزام بل يجوز للقاضي تخفيضه إلى حد معقول بما يعيد توازن العقد. ولا يُلزم المدين بإثبات استحالة مطلقة ودائمة، ولا بتعريض سلامة عماله للخطر، حتى يحتج بالقوة القاهرة. ويكفي أن يكون التنفيذ مستحيلاً عن المدة المعنية في الظروف كما كانت قائمة.» — قاضٍ في المحكمة العليا الليبية