أصدرت محكمة التمييز اللبنانية، وهي أعلى محكمة في التسلسل القضائي العادي في لبنان، حكماً تاريخياً في شأن ترتيب الامتيازات البحرية (privilèges maritimes) في مواجهة الرهن البحري المسجّل (hypothèque maritime) عند توزيع حصيلة البيع القضائي لسفينة محجوزة. ونشأ النزاع عن حجز وبيع جبري للسفينة أرز جبيل (M/V Cedars of Byblos)، وهي سفينة شحن عامة ترفع العلم اللبناني ومسجلة في مرفأ بيروت، حيث حُجزت بناءً على طلب طاقمها بسبب أجور غير مدفوعة، وواجهت في الوقت نفسه تنفيذ رهن بحري لصالح مصرف تجاري في بيروت. وبِيعت السفينة في مزاد قضائي بمبلغ لا يكفي للوفاء بكلٍّ من مطالبات أجور الطاقم ورهن المصرف، مما حدا بالمحاكم إلى تحديد ترتيب الأولوية بين امتياز بحري ذي أولوية فائقة لأجور البحارة ورهنٍ سُجّل على النحو الواجب في السجل البحري اللبناني. وقضت محكمة التمييز بأن مطالبات أجور البحارة عن الرحلة الأخيرة — بما في ذلك تكاليف الإعادة إلى الوطن واشتراكات الضمان الاجتماعي — تتمتع بمركز المطالبة البحرية الممتازة المتقدمة على الرهن المسجّل، ووضعت نظاماً شاملاً لترتيب المطالبات البحرية بموجب قانون التجارة البحرية اللبناني (قانون 18 شباط 1947 وتعديلاته)، بما ينسجم مع الاتفاقية الدولية لتوحيد بعض القواعد المتعلقة بالامتيازات والرهون البحرية (بروكسل، 1926).
كانت شركة "ليفانت للملاحة البحرية ش.م.ل."، وهي شركة شحن لبنانية يقع مركزها المسجّل في منطقة بيروت الوسطى، تملك وتشغّل السفينة أرز جبيل، وهي سفينة شحن عامة تبلغ حمولتها الساكنة 12,400 طن ترفع العلم اللبناني ومسجلة في مرفأ بيروت. ولتمويل توسعة أسطولها في عام 2019، منحت الشركة مصرف "بنك البحر المتوسط ش.م.ل." رهناً بحرياً على السفينة يضمن قرضاً لأجل بقيمة 12 مليون دولار أمريكي، سُجّل على النحو الواجب في السجل البحري اللبناني وفقاً للمادتين 38 و39 من قانون التجارة البحرية. وبين عامي 2021 و2023، تدهور الوضع التجاري للمالك تدهوراً حاداً في ظل انكماش قطاع الشحن الإقليمي، ومنذ منتصف 2023 تخلفت عن سداد أقساط القرض ورواتب الطاقم على حد سواء. وبحلول مطلع 2024، كان طاقم السفينة المؤلَّف من ثلاثة وعشرين بحاراً — يضم ضباطاً لبنانيين وبحارةً فلبينيين وسوريين ومصريين — قد تراكمت لديه أجور غير مدفوعة بلغ مجموعها نحو 480,000 دولار أمريكي عن آخر رحلتين مكتملتين، إلى جانب تكاليف إعادة إلى الوطن واشتراكات ضمان اجتماعي غير مدفوعة. وفي شباط 2024، تقدم الطاقم، ممثلاً بالاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF)، بطلب إلى محكمة البداية في بيروت لحجز السفينة استناداً إلى مطالبات الأجور، مستنداً إلى الامتياز البحري المرتبط بأجور الطاقم بموجب المادة 74 من قانون التجارة البحرية. وحُجزت السفينة وهي راسية في مرفأ بيروت. وبعد ذلك بوقت قصير، تدخل بنك البحر المتوسط في الدعوى، مؤكداً حقوقه كدائن مرتهن، وطالباً البيع القضائي للسفينة. وأمرت محكمة البداية ببيع السفينة في مزاد علني، وفي أيار 2024 بِيعت لمشترٍ يوناني بمبلغ 7.4 ملايين دولار أمريكي — وهو رقم يقل كثيراً عن القيمة الإجمالية لدين الرهن ومطالبات الطاقم معاً. وإذ وزّعت محكمة البداية الحصيلة، قدّمت الرهن المسجّل للمصرف على مطالبات أجور الطاقم، معللةً ذلك بأن الرهن ضمان عيني مسجّل، في حين أن مطالبات الأجور ليست سوى مطالبات شخصية غير مسجلة. فاستأنف الطاقم الحكم، ونقضته محكمة الاستئناف في بيروت جزئياً، قاضيةً بأن مطالبات أجور الطاقم تتقدم على الرهن، ولكن في حدود الأجور المكتسبة خلال الرحلة التي وقع الحجز أثناءها فقط. ثم طعن كلٌّ من المصرف والطاقم في الحكم أمام محكمة التمييز في مسائل قانونية، مما أتاح للمحكمة العليا أول فرصة منذ أكثر من عقدين لحسم نظام الأولوية الكامل للمطالبات البحرية بموجب القانون اللبناني.
حددت محكمة التمييز ثلاث مسائل قانونية رئيسية: (1) هل تشكل مطالبات أجور البحارة امتيازاً بحرياً (privilège maritime) بموجب المادة 74 من قانون التجارة البحرية، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يتقدم هذا الامتياز على الرهن البحري المسجّل بموجب المادة 39، على الرغم من المبدأ العام القاضي بأن الحقوق المسجلة تغلب الحقوق غير المسجلة؛ (2) ما النطاق الزمني المرتبط بامتياز الأجور — وتحديداً، هل يقتصر على الأجور المكتسبة خلال الرحلة الأخيرة فقط، أم يمتد ليشمل جميع الأجور وتكاليف الإعادة إلى الوطن واشتراكات الضمان الاجتماعي الناشئة عن آخر تعاقد للطاقم؛ (3) هل تفرض اتفاقية بروكسل لعام 1926 بشأن الامتيازات والرهون البحرية — التي انضم إليها لبنان والتي أُدمجت في قانون التجارة البحرية — ترتيباً معيناً للمطالبات الممتازة فيما بينها (كالأجور مقابل الإنقاذ مقابل رسوم الموانئ) يتعين على المحاكم اللبنانية تطبيقه عند توزيع الحصيلة.
ردت محكمة التمييز طعن المصرف، وقبلت طعن الطاقم جزئياً، وقضت بما يلي:
(1) إن مطالبات أجور البحارة تتمتع بمركز الامتياز البحري بموجب المادة 74 من قانون التجارة البحرية، وأن هذا الامتياز يتقدم على الرهن البحري المسجّل. ورفضت المحكمة ما ذهب إليه المصرف من وجوب تغليب الرهن المسجّل لأنه حق عيني مقيد في السجل البحري، ملاحظةً أن الامتياز البحري هو امتياز يتعلق بالسفينة ذاتها ويلاحقها أياً كانت الأيدي التي تنتقل إليها، وأن ترتيبه محدد بالقانون وبالتزامات لبنان بموجب اتفاقية بروكسل لعام 1926، لا بالقواعد العامة لقانون الموجبات والعقود الناظمة لأولوية الضمانات. ولاحظت المحكمة أن المادة 2 من اتفاقية بروكسل تُخضع صراحةً الرهن للمطالبات البحرية الممتازة المذكورة في المادة 2، وأن هذا النظام قد نُقل إلى قانون التجارة البحرية. وعليه، أُيِّد قصر محكمة الاستئناف لامتياز الأجور على الرحلة الأخيرة من حيث الترتيب، ولكنه صُحِّح من حيث النطاق.
(2) إن امتياز الأجور يمتد إلى ما هو أبعد من النافذة الضيقة للرحلة الأخيرة ليشمل جميع المستحقات، بما في ذلك ساعات العمل الإضافية وبدل الإجازات ونفقات الإعادة إلى الوطن واشتراكات الضمان الاجتماعي، المستحقة خلال آخر تعاقد للطاقم مع السفينة. وقضت المحكمة بأن قصر الامتياز على رحلة واحدة سيكون مصطنعاً في العصر الحديث لعقود العمل المتجددة، وسيُحبط الغرض الحمائي للامتياز، القائم على حماية البحارة — وهم فئة من العمال معرضة بشكل فريد لإعسار مالك سفينة مقيم في الخارج وغالباً ما يتعذر التنفيذ عليه. وبذلك، جعلت المحكمة الممارسة اللبنانية متوافقة مع معاملة أجور البحارة باعتبارها "أولوية فائقة" المعترف بها في اتفاقية العمل البحري لعام 2006 والمنعكسة في اتفاقية جنيف الدولية لعام 1993 بشأن الامتيازات والرهون البحرية (التي لم يصادق عليها لبنان لكنها ذات حجية إقناعية).
(3) وفيما بين المطالبات البحرية الممتازة ذاتها، وضعت المحكمة ترتيباً يجعل مطالبات الأجور والمبالغ الأخرى المستحقة للربان والضباط والطاقم بسبب عملهم في المرتبة الأولى؛ وتليها المطالبات المتعلقة بالإنقاذ وإزالة الحطام والمساهمات في الخسارات العامة؛ ثم مطالبات رسوم الموانئ والقنوات والإرشاد؛ ويعقبها المطالبات الناشئة عن العقود (مثل توريد المؤن) غير المضمونة برهن؛ وأخيراً الرهن المسجّل وسائر القيود المسجلة. وأكدت المحكمة أن هذا الترتيب إلزامي ولا يجوز تعديله باتفاق خاص بين الدائن المرتهن ومالك السفينة، لأن نظام الأولوية قائم لحماية الدائنين من الغير ويعكس اعتبارات النظام العام الكامنة في نظام الامتياز البحري.
يُعد هذا الحكم أهم قرار في مجال الائتمان البحري في لبنان منذ تحديث قانون التجارة البحرية، وهو يحسم جدلاً فقهياً دام عقدين حول العلاقة بين الامتياز البحري والرهن البحري عند توزيع حصيلة البيع الجبري. وبالنسبة لممولي تمويل السفن، يمثل الحكم توضيحاً واقعياً: فالرهن المسجّل، مهما أُحكم استكماله، يتأخر في الترتيب عن المطالبات الممتازة القانونية المذكورة في المادة 74، ولا سيما مطالبات أجور البحارة التي منحتها المحكمة الآن نطاقاً زمنياً واسعاً. وسيتعين على المقرضين الممولين للحمولات التي ترفع العلم اللبناني إعادة تقييم هوامش ضماناتهم، وسيصرّون عملياً وبصورة متزايدة على ترتيبات ضمان لرواتب الطاقم، وإقرارات حوالة الأجور، والتحقق الدوري من الامتثال لسداد الرواتب كشروط لصرف التمويل.
وبالنسبة للمجتمع البحري الدولي، يضع القرار الممارسة اللبنانية في انسجام راسخ مع اتفاقية بروكسل لعام 1926 والاجتهاد السائد في القانون المدني، مما يقلل من خطر رفض الاعتراف بالبيع القضائي اللبناني في الدول الأجنبية لأسباب تتعلق بالنظام العام — وهو مصدر قلق حال تاريخياً دون إقدام المشترين على المزايدة على السفن المحجوزة في الموانئ اللبنانية. وتتميز القضية أيضاً بقراءتها الواسعة لامتياز الأجور لتشمل الإعادة إلى الوطن واشتراكات الضمان الاجتماعي، وهو موقف يتجاوز نص المادة 74 الحرفي لكنه يعكس تعاطف المحكمة الواضح في السياسة القضائية مع الوظيفة الحمائية لقانون العمل البحري. ويتوقع الممارسون في قطاع الشحن في بيروت أن يحفز الحكم اهتماماً متجدداً بالتسجيل البحري اللبناني، الذي انكمش بشدة خلال العقد الماضي، إذ يشير إلى أن المحاكم البحرية اللبنانية قادرة على إصدار نتائج قابلة للتنبؤ تجارياً ومتسقة دولياً.
"الامتياز البحري هو أعرق مؤسسات القانون البحري وأكثرها تبجيلاً، وتقدّمه على الرهن ليس مسألة شكلية بل مسألة تتصل بالنظام العام في صميمه. فالبحار الذي بذل جهده في خدمة السفينة، بعيداً عن وطنه ودون وسيلة إنصاف فعالة تجاه مالك قد يكون بعيداً عن متناول أي محكمة، يقف في موضعٍ اعترف القانون دائماً بأن له حق الأولوية في الاقتضاء من السفينة ذاتها. والدائن المرتهن الذي يقرض بضمان سفينة يعلم، أو يُفترض به أن يعلم، أن ضمانه خاضع للمطالبات الممتازة التي يفرضها القانون البحري، وأن أجور الطاقم عبء على السفينة لا يستطيع أي قيد في السجل إزاحته. والقول بغير ذلك يعني السماح لشكلية التسجيل بإحباط الغاية ذاتها التي أُنشئ من أجلها الامتياز." — رئيس الغرفة المدنية الثالثة، القاضي نديم حداد