ألغى مجلس الدولة الجزائري (Conseil d'État)، وهو المحكمة الإدارية العليا في البلاد، منح صفقة محطة تحلية مياه بقيمة 42 مليار دينار جزائري (حوالي 310 ملايين دولار أمريكي) من قبل وزارة الموارد المائية، بعد أن وجد مخالفات ممنهجة في عملية تقييم العطاءات. وفي حكم تاريخي يعيد تشكيل مشهد التقاضي في مجال المشتريات العمومية في الجزائر، قضت المحكمة بأن أسباب الإلغاء القانونية بموجب المادة 82 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المتعلق بالصفقات العمومية تمتد إلى ما هو أبعد من العيوب الإجرائية لتشمل الظلم الموضوعي في عملية التقييم ذاتها — بما في ذلك التلاعب بمعايير التسجيل، وتضارب المصالح غير المعلن بين أعضاء لجنة التقييم، وإعادة ترجيح المعايير الفنية بأثر رجعي لصالح المتعاقد الحالي.
في يناير 2024، أصدرت وزارة الموارد المائية مناقصة دولية مفتوحة لتصميم وإنشاء وتشغيل محطة تحلية مياه البحر بالتناضح العكسي بطاقة 300,000 متر مكعب يومياً في رأس جنات، على بعد 60 كم شرق الجزائر العاصمة. وشكل المشروع جزءاً من برنامج الجزائر الاستعجالي لتحلية المياه، الذي أطلق لمواجهة النقص المزمن في المياه الذي فاقمه انخفاض معدلات هطول الأمطار. تقدمت خمسة ائتلافات بعطاءاتها، من بينها مشروع مشترك فرنسي جزائري بقيادة SUEZ Algérie وائتلاف إسباني جزائري بقيادة Acciona Agua بالشراكة مع المؤسسة الهندسية العمومية EPE-Cosider. وتم إسناد الصفقة إلى الائتلاف الإسباني الجزائري في أبريل 2024.
تقدم الائتلاف غير الناجح بقيادة SUEZ بطلب إلغاء استعجالي أمام المحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة، مدعياً أن ثلاثة من أعضاء لجنة التقييم الفني الخماسية يمتلكون أسهماً غير معلنة في شركات تابعة لـ Cosider، وأن مصفوفة التسجيل الفني تم تعديلها بعد فتح العطاءات لخفض الوزن المخصص لخبرة تقنية الأغشية — وهو مجال تمتعت فيه SUEZ بميزة واضحة — مع رفع الوزن المخصص لقدرة الأعمال المدنية المحلية. ورفضت المحكمة الإدارية الطلب بحجة أن مقدم العطاء لم يستنفد إجراءات التوفيق الإلزامية السابقة للتقاضي بموجب المادة 165 من قانون الصفقات العمومية. فاستأنفت SUEZ الحكم أمام مجلس الدولة.
حدد مجلس الدولة ثلاث مسائل مبدئية: (1) هل يشكل شرط التوفيق السابق للتقاضي بموجب المادة 165 من قانون الصفقات العمومية مانعاً اختصاصياً أم مجرد شرط قبول يمكن تجاوزه عندما يثبت مقدم الطلب خطر ضرر لا يمكن تداركه؟ (2) هل يشكل تضارب المصالح بين أعضاء لجنة التقييم سبباً للإلغاء بموجب المادة 82 من المرسوم رقم 15-247، وإذا كان الأمر كذلك، فما هو معيار الإثبات الواجب تطبيقه؟ (3) هل يشكل تعديل معايير التقييم الفني بعد فتح العطاءات انتهاكاً للمبادئ الأساسية للشفافية والمساواة في معاملة المتنافسين بموجب القانون الإداري الجزائري، بصرف النظر عن أي إثبات لسوء النية؟
قبل مجلس الدولة الاستئناف بالإجماع، ونقض حكم المحكمة الإدارية، وألغى منح الصفقة بالكامل. وقضت المحكمة بما يلي:
(1) إن إجراء التوفيق المنصوص عليه في المادة 165 هو شرط قبول، وليس مانعاً اختصاصياً. وإذا أثبت مقدم الطلب أن عملية التوفيق لا يمكن أن توفر علاجاً فعالاً — وهنا، لأن الجدول الزمني للبناء كان يعني أن العقد سينفذ بشكل كبير قبل انتهاء التوفيق — جاز لمجلس الدولة أن يمارس اختصاصه في الإلغاء مباشرة. واستندت المحكمة إلى المبدأ العام للحماية القضائية الفعالة بموجب المادة 160 من الدستور الجزائري.
(2) إن وجود أعضاء في لجنة التقييم لهم مصالح مالية غير معلنة في إحدى جهات تقديم العطاءات يشكل عيباً من الخطورة بحيث يبطل عملية التقييم برمتها، بغض النظر عن إثبات التحيز الفعلي. واعتمدت المحكمة معياراً موضوعياً: وهو أن المراقب المعقول، المطلع على الوقائع، سيخلص إلى وجود إمكانية حقيقية للتحيز. وقد استوفت الحصص غير المعلنة هذا المعيار.
(3) إن إعادة ترجيح المعايير الفنية بأثر رجعي — تغيير وزن تقنية الأغشية من 30% إلى 15% ووزن الأعمال المدنية المحلية من 20% إلى 35% بعد فتح جميع العطاءات — يشكل انتهاكاً لمبدأ عدم جواز تغيير المعايير (intangibilité des critères)، الذي رفعته المحكمة إلى مرتبة المبدأ الأساسي في قانون المشتريات العمومية الجزائري. وقضت المحكمة بأن هذا المبدأ ينتهك بغض النظر عن دافع الجهة المتعاقدة؛ فمجرد واقعة تعديل المعايير بعد فتح العطاءات كافٍ لإلغاء الصفقة.
هذا هو أهم حكم في مجال المشتريات العمومية يصدر عن مجلس الدولة الجزائري منذ أكثر من عقد، والأول الذي يضع صراحة معياراً موضوعياً لتضارب المصالح بين أعضاء لجان التقييم. وينسجم القرار مع قانون الأونسيترال النموذجي بشأن المشتريات العمومية (2011) والنهج الذي اعتمده مجلس الدولة الفرنسي (Conseil d'État) في قضايا مثل SMIRGEOMES (2008) بشأن عدم جواز تغيير معايير الإسناد.
وبالنسبة لقطاع البناء والبنية التحتية في الجزائر — الذي يمثل أكثر من 1.2 تريليون دينار جزائري من العقود العمومية السنوية — فإن للحكم عواقب عملية فورية. إذ يتعين على الجهات المتعاقدة الآن إنشاء نظام للإفصاح الرسمي عن تضارب المصالح قبل انعقاد لجان التقييم، ووضع اللمسات الأخيرة على جميع معايير التسجيل الفني قبل فتح العطاءات دون أي تعديل لاحق. وقد اكتسب المتنافسون الأجانب في مشاريع البنية التحتية الجزائرية أداة تنفيذية قوية جديدة: وهي القدرة على تجاوز شرط التوفيق عندما تثبت الاستعجال. وقد أبلغ الممارسون في الجزائر العاصمة بالفعل عن زيادة في طلبات الإفصاح الوقائي من جهات الشراء العمومي الساعية إلى تحصين عمليات المناقصات من الطعون المستقبلية.
وللحكم أيضاً أهمية إقليمية أوسع، حيث أن العديد من دول المغرب العربي — بما فيها تونس والمغرب — لديها أطر للمشتريات العمومية مستوحاة من تقاليد القانون الإداري الفرنسي وقد تنظر إلى هذا القرار كسلطة إقناعية في محاكمها الإدارية.
"نزاهة عملية المشتريات العمومية ليست ترفاً إجرائياً. إنها الشرط الذي تستند إليه سلطة الدولة في إنفاق المال العام. وحيثما تكون حياد لجنة التقييم مخترقة، يكون منح الصفقة باطلاً — ليس لأن النتيجة كانت خاطئة بالضرورة، بل لأن العملية فقدت شرعيتها." — رئيس غرفة المنازعات، مجلس الدولة، الدكتور محمد العربي بلقاسم