English 中文
← العودة

المحكمة العليا الموريتانية: التعارض بين الحيازة العرفية للأراضي وسند الملكية المسجَّل في ظل قانون الأراضي لعام 2023 (2024)

2026-08-20 · موريتانيا · قانون الأراضي والحيازة العرفية · المحكمة العليا، الطعن رقم 87/2024

قانون الأراضيالحيازة العرفيةالتسجيل العقاريالحقوق العينيةموريتانيا

الملخص

أصدرت المحكمة العليا للجمهورية الإسلامية الموريتانية (Cour Suprême de Mauritanie)، وهي تنظر طعناً بالنقض في حكم صادر عن محكمة استئناف ترارزة، حكمًا تاريخياً بشأن العلاقة بين نظام التسجيل العقاري الرسمي الذي أرساه قانون الأراضي لعام 2023 (القانون رقم 2023-013 المتعلق بنظام الأراضي) والحيازات العرفية للأراضي الزراعية في وادي السنغال. تعلق النزاع بقطعة من أرز الري تقع قرب روصو، كان المطعون ضدهم وعائلتهم قد زرعوها في إطار حيازة عرفية متواصلة وعلنية وسلمية منذ السبعينيات، دون أي تسجيل رسمي. وفي عام 2022، حصل المطعونون على سند ملكية مسجَّل (titre foncier) للقطعة ذاتها من الدولة، بعد أن صنَّفتها أرضَ دومين غير مخصصة في سياق تحديث المسح العقاري. ورفع المطعونون دعوى إخلاء. وقضت المحكمة العليا بأن (أولاً) شاغلي الأراضي الزراعية بالحيازة العرفية ممن ثبتت حيازتهم المتواصلة والعَلَنية والسلمية لمدة تزيد على عشر سنوات يكتسبون حقاً عينياً عقارياً (droit réel) يجوز التمسك به في مواجهة أصحاب سندات الملكية المسجَّلة اللاحقة؛ و(ثانياً) إن اشتراط التسجيل العام الوارد في قانون الأراضي لعام 2023، والقسّ يقضي بتسجيل جميع الحقوق العينية على العقارات، لا يُلغي في حد ذاته الحقوق العرفية غير المسجَّلة السابقة على التسجيل والتي كان صاحب السند المسجَّل يعلم بها أو كان ينبغي له أن يعلم بها؛ و(ثالثاً) إن عبء التحري في وجود هذه الحقوق العرفية وقت الاقتناء يقع على عاتق مشتري السند المسجَّل. ويُعد هذا القرار المرجع الموريتاني الرائد في مسألة التعايش بين التسجيل النظامي والحيازة العرفية، ويقدم توجيهات مهمة لتسوية نزاعات الأراضي الناشئة عن برنامج المسح العقاري الوطني الجاري.

الوقائع

يتجذر قانون الأراضي الموريتاني في تقليد القانون المدني الفرنسي الذي لم يكن يعترف تاريخياً إلا بسند الملكية المسجَّل بوصفه المنشئ للحقوق العينية العقارية القابلة للتمسك بها تجاه الغير، في حين أن نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية في وادي السنغال وفي مناطق الحوض وعلى طول آدرار ظلت تُحرز في الواقع تحت نظام الحيازة العرفية من قبل مجتمعات لم تُقَنِن حيازتها يوماً عن طريق التسجيل. وأكد قانون الأراضي لعام 2023، الذي استهدف ترشيد النظام العقاري ودعم برنامج المسح العقاري الوطني، مبدأ أن التسجيل هو الطريقة الشكلية لتكوين الحقوق العينية، لكنه تضمَّن أحكاماً انتقالية ترمي إلى حماية الشاغلين المستقرين. نشأ النزاع في عام 2022، حين حصل المطعنون، وهم مستثمرون مقرهم نواكشوط، على سند ملكية مسجَّل لقطعة من أرز الري مساحتها اثنا عشر هكتاراً على الضفة الغربية لنهر السنغال قرب روصو في ولاية الترارزة. وكان امتياز الدولة قد صنَّف الأرض باعتبارها من الدومين غير المخصص (domaine non affecté) في أعقاب تحديث المسح العقاري، رغم أن القطعة كانت في الواقع تُزرع باستمرار من قبل عائلة المطعون ضدهم بوصفها جزءاً من حيازة جماعية قروية منذ السبعينيات. ورفض المطعون ضدهم إخلاء الأرض، مؤكدين حقهم العرفي المستند إلى تخصيص من زعيم القرية وزراعة متعاقبة عبر الأجيال. ورفع المطعنون دعوى إخلاء أمام محكمة الولاية في ترارزة؛ فقضت المحكمة لصالح المطعونين استناداً إلى أن السند المسجَّل، بموجب أحكام قانون الأراضي لعام 2023، حجة قاطعة في مواجهة شاغلي الأرض غير المسجَّلين. ثم نقضت محكمة استئناف ترارزة الحكم، مؤكدة أن الحيازة العرفية الممتدة للمطعون ضدهم منحتَهم حقاً عينياً لا يمكن للسند المسجَّل أن يتغلب عليه. فطعن المطعونون بالنقض أمام المحكمة العليا.

المسائل الرئيسية

حددت المحكمة العليا ثلاث مسائل للفصل فيها: (1) هل تنشئ الحيازة العرفية للأراضي الزراعية، المتواصلة سلمياً وعلنياً ودون انقطاع لمدة تزيد على عشر سنوات، حقاً عينياً عقارياً يجوز التمسك به في مواجهة حائز لاحق لسند ملكية مسجَّل؛ (2) هل يترتب على اشتراط التسجيل العام الوارد في قانون الأراضي لعام 2023، والقسّ يقضي بتسجيل جميع الحقوق العينية على العقارات، إطفاء الحقوق العرفية غير المسجَّلة السابقة على التسجيل في الحالات التي كان فيها صاحب السند المسجَّل يعلم بالحيازة العرفية أو كان ينبغي له أن يعلم بها؛ و(3) على أي طرف يقع عبء التحري في وجود الحقوق العرفية غير المسجَّلة وقت اقتناء السند المسجَّل.

الحكم

رفضت المحكمة العليا طعن المطعونين وأيَّدت حكم محكمة الاستئناف، وأصدرت التقريرات التالية:

(1) الحيازة العرفية للأراضي الزراعية لمدة تزيد على عشر سنوات تنشئ حقاً عينياً عقارياً يجوز التمسك به. قررت المحكمة أنه على الرغم من أن النظام القانوني الموريتاني لم يكن يعترف تاريخياً إلا بالسند المسجَّل بوصفه الشكل الرسمي لتكوين الحقوق العينية، فإن انتشار الحيازة العرفية في الواقع لا يمكن إغفاله متى توافرت بشكل سلمي وعلني ودون انقطاع لمدة كافية لإثبات استقرار الحيازة. واستناداً إلى مبادئ التقادم المكسب المعترف بها في القانون المدني، وإلى الأحكام الانتقالية لقانون الأراضي لعام 2023، قضت المحكمة بأن شاغل الأرض بالحيازة العرفية الذي يزرعها علنية وباستمرار لمدة تزيد على عشر سنوات يكتسب حقاً عينياً عقارياً يعترف به القانون ويحميه، ويجوز التمسك به في مواجهة حائز لاحق لسند ملكية مسجَّل. وكانت عائلة المطعون ضدهم، إذ زرعت القطعة باستمرار منذ السبعينيات، قد استوفَت هذا الشرط.

(2) اشتراط التسجيل العام في قانون الأراضي لعام 2023 لا يُلغي الحقوق العرفية السابقة، ويُفترض العلم في جانب صاحب السند المسجَّل. قررت المحكمة أن اشتراط التسجيل العام الوارد في قانون الأراضي لعام 2023، والقسّ يقضي بتسجيل جميع الحقوق العينية على العقارات، اشتراط شكلي يهدف إلى إشهار الحقوق وتسهيل عمل نظام المسح العقاري؛ وهو ليس قاعدة موضوعية تُلغي الحقوق السابقة التي كان صاحب السند المسجَّل يعلم بها أو كان ينبغي له أن يعلم بها. ولاحظت المحكمة أن تحديث المسح العقاري الذي صنَّف القطعة من دومين غير مخصص قد أُجري بطريقة لم تُسفر في الواقع عن تسجيل الحيازة العرفية المستقرة، وأن المطعونين أنفسهم، في سياق تحرياتهم السابقة على الاقتناء، كان السكان المحليون قد أبلغوهم بتواجد المطعون ضدهم في الأرض منذ أمد بعيد. وفي هذه الظروف، لا يجوز التمسك بالسند المسجَّل في مواجهة الحق العرفي للمطعون ضدهم.

(3) عبء التحري في وجود الحقوق العرفية غير المسجَّلة يقع على عاتق مشتري السند المسجَّل. قررت المحكمة أن مشتري السند المسجَّل الذي يرغب في الاعتداد بالأثر الحاسم للسند في مواجهة الشاغلين غير المسجَّلين يجب عليه، قبل الاقتناء، أن يبذل تحرياً معقولاً عن وجود هؤلاء الشاغلين وعن الترتيبات العرفية التي تحكم الأرض. ويُجرى التحري على مستوى المجتمع المحلي، من خلال زعيم القرية ومجلس الأراضي العرفي، ويُوثَّق في ملف الاقتناء. ويترتب على الإخفاق في إجراء هذا التحري، متى كانت الحيازة العرفية ظاهرة في الواقع، حرمان صاحب السند المسجَّل من التمسك بالسند في مواجهة شاغل الأرض بالحيازة العرفية. وكان المطعونون قد قصَّروا في الوفاء بهذا العبء؛ فالتحري الذي أجروه كان تحرياً سطحياً ولم يتصل بسلطات القرية قبل إتمام الاقتناء.

الأهمية

يُعد هذا الحكم البيان الموريتاني الرائد بشأن التعايش بين نظام التسجيل العقاري الرسمي ونظام الحيازة العرفية للأراضي الذي يحكم في الواقع نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية، ويأتي في لحظة حاسمة من برنامج المسح العقاري الوطني. فبتأكيدها أن الحيازة العرفية المتواصلة لمدة تزيد على عشر سنوات تنشئ حقاً عينياً عقارياً يجوز التمسك به، أكدت المحكمة أن اشتراط التسجيل الرسمي لا يعمل بوصفه قاعدة موضوعية تُلغي الحقوق العرفية السابقة؛ وبتقريرها أن عبء التحري في الحيازة العرفية يقع على صاحب السند المسجَّل، نقلت المخاطر الحقي لإغفال المسح العقاري إلى المشتري الذي هو أقدر على التحري في أوضاع الأرض قبل الاقتناء. ويحمل الحكم توجيهات عملية واضحة للمستثمرين والمطورين وجهات المسح العقاري: فلا ينبغي إجراء تسجيلات على أراضٍ مشغولة ظاهراً دون تحرٍّ في أساس هذا الشغل؛ ويجب استشارة مجالس الأراضي العرفية في كل عملية اقتناء؛ ويجب تطبيق الأحكام الانتقالية لقانون الأراضي لعام 2023 على نحو يحمي الشاغلين المستقرين بدلاً من تقويض حيازتهم. ويلاحظ الممارسون أن منطق المحكمة يتجاوب مع اجتهادات الحيازة العرفية في السنغال ومالي، حيث عولج التوتر نفسه بين التسجيل الرسمي والحيازة العرفية بالاعتماد ذاته على مبادئ التقادم المكسب وعلى واجب التحري الملقى على عاتق صاحب السند المسجَّل. ويُتوقع أن يُحتجَّ بالقضية أينما طُلب من المحاكم الموريتانية الفصل في تعارض بين سند ملكية مسجَّل وحيازة عرفية، ويُرجَّح أن تؤثر في تطوير اللوائح التنفيذية لقانون الأراضي لعام 2023.

«نظام التسجيل العقاري أداة لإشهار الحقوق؛ فهو لا ينشئها بل يُثبِّتها. وإن شاغل الأرض بالحيازة العرفية الذي ثبتت حيازته بشكل سلمي وعلني لمدة تزيد على عشر سنوات يملك حقاً عينياً يحميه القانون، ولا يجوز لصاحب سند ملكية مسجَّل يتعارض مع هذا الحق أن يتمسك به في مواجهة الشاغل قبل أن يتحرى أولاً، على مستوى المجتمع المحلي، في وجود الحيازة العرفية. وإن عبء هذا التحري يقع على عاتق المشتري الذي هو أقدر على التحري في أوضاع الأرض قبل الاقتناء.» — قاضٍ في المحكمة العليا الموريتانية